سوريا الممزقة.. صراعات داخلية وتدخلات خارجية تعصف بالبلاد

بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا أواخر ٢٠٢٤ شهدت سوريا موجة من العنف والدموية غير مسبوقة، اقتتال، حالات خطف وقتل، صراعات واقتتالات طائفية وأخرى عرقية، اقتصاد شبه مدمر وجيش غير منظم وغير منضبط يحوي أجانب ومتطرفين، تزامن كل ذلك مع تدخلات دولية في سوريا وغارت جوية تستهدف القواعد العسكرية.
بعد أحداث الساحل ومجازر التي شهدتها من قتل وتنيكل بالطائفة العلوية، وجهة حكومة دمشق أنظارها إلى السويداء، حيث دفعت بعشائر وعناصر من جيشها بلباس عشائر لاقتحام السويداء، الأمر الذي خلف ونتج عنه عشرات الآلاف من المهجرين والمحاصرين ومجازر دموية على أساسٍ طائفي وتقارير واتهامات بتنفيذ “إعدامات ميدانية واستهداف المدنيين”.
الأمر الذي دفع بإسرائيل في 16 يوليو، بشن ضربات جوية استهدفت مقرات عسكرية وحكومية في دمشق، بالقرب من ساحة الأمويين، أدّت إلى مقتل 3 أشخاص وإصابة 34 آخرين، في رد واضح منها على رفضها وجود عسكري لحكومة أحمد الشرع في الجنوب، ما أجبر حكومة دمشق والعشائر للانسحاب خارج حدود الإدارة للمحافظة وإعلان هدنة بوساطة دولية في ٢٠ يوليو.
مع ذلك، تحذّر الأمم المتحدة من انهيار الهدنة، في ظل التهديدات متكررة والانتهاكات. و نقص الحاد بالأدوية الأساسية والطاقة والمواد الغذائية بسبب الحصار المفروض، والذي دفع بأهالي السويداء من إعلانهم شبه إدارة ذاتية وخروج مظاهرات تطالب حتى بالانفصال عن سوريا بسبب الجرائم التي ارتكبت بحقهم.
في 25 أغسطس، التقى الرئيس المؤقت أحمد الشراح بالمبعوث الأمريكي إلى سوريا، Thomas Barrack، بهدف دفع مسار تسوية شاملة، خاصةً فيما يتعلق بالتوترات الأمنية في جنوب سوريا وتطوير تعاون إقليمي بين سوريا وإسرائيل عبر الوساطة الأمريكية
وعلى رغم من الحديث في الإعلام الغربي والعربي على تقدم في المفاوضات بين حكومة الشرع وإسرائيل إلا أن إعلاميين وقنوات عبرية نفت الأمر وأشارت إلى أنها اقتصرت على تفاهمات أمنية لا أكثر، وأشارت إلى أن إسرائيل تريد جنوب سوريا منزوع السلاح بالكامل.
بالتوازي مع التصريحات الهدنة والغارات الجوية الإسرائيلية والتي أخرها كان أمس ليلاً في منطقة الكسوة في دمشق والتي تزامنة مع عملية إنزال جوي إلا أن التعقيد لا يزال في بدايته.
في شمال وشرق سوريا تسعى الإدارة الذاتية للإندماج على أساس اتفاقية عبدي -الشرع في 10 اذار، وعلى رغم من تطبيق بعض التفاصيل، كوقف إطلاق النار، إلا أن العراقيل ما تزال موجودة، فمن جهة حكومة دمشق ترفض اللامركزية ومن جهة أخرى تتدخل تركيا للضغط على دمشق لعرقلة مسار التفاوض بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة دمشق.
الأمر الذي جعلت الإدارة الذاتية تعيد ترتيب الأوراق، فكان عقد كونفرانس في الحسكة الذي شارك فيه الشيخ غزال الغزال ممثل عن الطائفة العلوية، وشيخ حكمة الهجري ممثل عن الطائفة الدرزية، بالإضافة لشيوخ وجهاء عشائر وممثلين عن أحزاب سياسية ومنظمات المجتمع المدني وشخصيات مستقلة، الكونفرانس أكد على تكون سوريا تعددية لا مركزية، ومحاسبة المجرمين ومرتكبي المجازر واتخاذ التفاوض والحوار الحل الوحيد.
أما في شمال غرب سوريا التي تسيطر تركيا عليها عن طريق الفصائل التركمانية وأخرى موالين لها، تسعى لبسط وتوسيع نفوذها أكثر في سوريا إذ تتجه أنظارها للساحل السوري، حيث تحدثت العديد من التقارير أنها دفعت بعائلات من علويّ تركيا للساحل السوري، وذلك خلال خلق روابط على أساس طائفي معهم لاستمالتهم لتركيا وجعلها بنظرهم المخلص والمنقذ لهم من خلال دفعهم ليطالبوا بقدوم تركيا للساحل وإقامة قواعد عسكرية فيها، وهو ما ترفضه إسرائيل حيث نفذت قصفاً صاروخياً من البحر المتوسط على لواء 107 في جبلة والمعروف باسم زاما الذي كانت تركيا تجهزه واستقدمت خبراء ومعدات عسكرية إليه.
بالتوازي مع محاولة التوسع في الساحل تسعى تركيا عن طريق الفصائل الموالية لها لجر قوات سوريا الديمقراطية لاشتباكات على أطراف دير الزور وعلى طول نهر الفرات والتي ينشط فيها خلايا داعش بكثافة وذلك لتعثير التفاوض بين قسد ودمشق لحقيق مصالح اقتصادية أو الدفع لسماح لها بإقامة قواعد عسكرية.
أمس أعلن عن جسم سياسي جديد يعرف باسم المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا الذي سيمثل الطائفة العلوية سياسياً ويهدف ويطالب بسوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، وبفدرالية لمناطق الساحل السوري.
اليوم، سوريا ليست إدارة واحدة، بل أصبحت 5 أقاليم تقريباً:
هيئة تحرير الشام (حكومة دمشق) ومناطق سيطرتها
قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا
الجنوب السوري
والساحل السوري المتمثل بمجلس السياسي لوسط وغرب سوريا
ما هو مؤكد على رغم تعقيد المشهد في الساحة السياسية والتوزع العسكري في سوريا، هو أن إذا استمرت دمشق بعقليتها الحالية في إدارة المشهد والتعامل مع باقي مكونات سوريا ستستمر دوامة العنف، رغم ذلك فإن المجتمع الدولي وصل لقناعة أن سوريا لا يمكن أن تُحكم بإدارة مركزية، بعد المجازر التي شهدها الساحل ومحافظة السويداء وما يؤكده تصريح المبعوث الأمريكي توم باراك أن نظام الحكم في سوريا قد يكون قريبا من الفدرالية.



