أوضاع النازحين في سوريا وتردي ظروفهم المعيشية

في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، لا تزال أوضاع النازحين داخل البلاد تشكل تحديًا إنسانيًا كبيرًا. يُقدر عدد النازحين داخليًا بحوالي 6.6 مليون شخص بحسب آخر الإحصاءات في سبتمبر 2025، بانخفاض طفيف عن الرقم السابق (6.7 مليون) بفضل عودة حوالي 1.3 مليون نازح منذ يناير 2024. كما عاد أكثر من 730,000 لاجئ من الخارج خلال الفترة نفسها. ومع ذلك، يواجه هؤلاء النازحون ظروفًا معيشية متردية، مما يعيق استدامة عودتهم ويضع ضغوطًا هائلة على البنية التحتية المنهكة.
تعاني المناطق التي شهدت نزوحًا جماعيًا، مثل إدلب وحلب وحماة، من نقص حاد في الخدمات الأساسية. تشير تقارير إلى أن أكثر من 90% من السكان، بما في ذلك النازحون، يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم اليومية، بسبب انهيار الاقتصاد وتدمير البنية التحتية خلال سنوات الحرب. المخيمات ومواقع النزوح، التي تستضيف ملايين الأشخاص، تعاني من نقص المياه النظيفة والكهرباء، إضافة إلى سوء الصرف الصحي، مما يزيد من انتشار الأمراض، خاصة بين الأطفال وكبار السن. في شمال غرب سوريا، حيث يقيم حوالي 3.4 مليون نازح، أشارت استطلاعات إلى أن 600,000 شخص يخططون للعودة خلال الأشهر الستة المقبلة، لكن غياب الدعم اللوجستي يعيق هذه الخطط.
تتفاقم الأزمة بسبب الأضرار الجسيمة في المنازل والممتلكات. حوالي 28% من العائدين يعيشون في مبانٍ متضررة أو غير مكتملة، مما يعرضهم للخطر في ظل اقتراب فصل الشتاء. كما تُشكل مخلفات الحرب، مثل الألغام الأرضية، تهديدًا أمنيًا كبيرًا، حيث ذكر النازحون أن إزالتها تُعد أولوية لضمان عودة آمنة. الوثائق المدنية والملكية تشكل عقبة إضافية، حيث يواجه الكثيرون صعوبة في إثبات ملكيتهم للأراضي، مما يعيق إعادة تأهيل المناطق المتضررة.
الوضع الاقتصادي يزيد من تعقيد الأزمة. مع انهيار الليرة السورية وارتفاع التضخم، أصبحت فرص العمل شبه معدومة، مما يدفع النازحين إلى اللجوء إلى أعمال غير رسمية ذات أجور منخفضة. الشباب، الذين يشكلون نسبة كبيرة من النازحين، يعانون من نقص التعليم والتدريب المهني، مما يهدد مستقبلهم. المنظمات الدولية، مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، حاولت تقديم الدعم، لكن التمويل المحدود يعيق تحقيق تغيير جذري. على سبيل المثال، تم تخصيص 71 مليون دولار فقط من المبلغ المطلوب (575 مليون دولار) لبرامج دعم العودة في 2025، مما قد يؤدي إلى تقليص الخدمات بنسبة 30%.
رغم الجهود الدولية، تظل هناك مخاوف من استمرار التردي. النزوح الجديد، ناتج عن الاشتباكات المستمرة في الشمال والجنوب، أضاف ضغطًا إضافيًا، حيث نزح آلاف الأشخاص حديثًا. الدول المجاورة، مثل تركيا ولبنان، لعبت دورًا في تسهيل العودة، لكن التحديات اللوجستية والإدارية تظل قائمة. بعض التقارير تشير إلى أن العودة قد تكون مشروطة بتحسن البنية التحتية وتوفير فرص العمل، وإلا قد يضطر العائدون إلى الهجرة مجددًا.
في الختام، تتطلب أوضاع النازحين في سوريا استراتيجية شاملة تشمل إعادة الإعمار، إزالة المخلفات الحربية، ودعم اقتصادي طويل الأمد. بينما تلوح بوادر أمل مع عودة مئات الآلاف، فإن التحديات المتعددة تؤكد ضرورة تعاون دولي أوسع لضمان حياة كريمة لهؤلة النازحين الذين تحملوا سنوات من المعاناة.
