اتفاقية 10 آذار.. أزمة ثقة بين السوريين وضغوط وأجندات دولية

بعد سنوات من النزاع الداخلي والتدخلات الأجنبية، ومع سقوط نظام الأسد بدأت الأطراف السورية تدرك ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. ساهمت الضغوط الدولية والإقليمية، بالإضافة إلى التغيرات العسكرية على الأرض، في دفع الأطراف نحو الحوار.

كانت الإدارة الذاتية التي تتمتع بحكم ذاتي في شمال وشرق سوريا، تسعى لضمان حقوق الكرد واستقرار مناطقها عبر نظام لامركزي، بينما كانت الحكومة السورية المؤقتة تسعى لاستعادة سيادتها على كامل الأراضي السورية.

وعلى هذا الأساس اتفاقية العاشر من آذار (10 آذار) تمثل حدثًا سياسيًا بارزًا، أُبرمت بين الحكومة السورية المؤقتة وقسد، وجاءت في سياق تحولات سياسية وأمنية كبيرة، وتعد خطوة مهمة نحو إعادة ترتيب المشهد السوري الداخلي، فبنود الاتفاقية الثمانية تؤكد على

1. ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية ومؤسسات الدولة دون تمييز ديني أو عرقي.

2. الاعتراف بأن المجتمع الكردي جزء أصيل من الدولة السورية وضمان حقوقه الدستورية.

3. وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية.

4. دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما في ذلك المعابر والمطار وحقول النفط والغاز.

5. ضمان عودة المهجرين السوريين إلى مناطقهم وتأمين حمايتهم.

6. دعم الدولة في مكافحة بقايا النظام السابق وكافة التهديدات لأمن ووحدة سوريا.

7. رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين مكونات المجتمع السوري.

8. التأكيد على أن اللجان التنفيذية مسؤولة عن تطبيق الاتفاق بحلول نهاية عام 2025.

مع مرور أكثر من 5 أشهر على إبرام الاتفاقية والتي تمخضت عنها بعض الخطوات كتشكيل لجنة تنفيذية عقدت أول اجتماعاتها في الحسكة لمناقشة آليات التنفيذ. كما عقد وفد من الإدارة الذاتية عدة جلسات من مباحثات في دمشق لاستكمال الاتفاق. وكان وقف إطلاق النار على كامل الأراضي السورية، بما في ذلك حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، أحد أبرز نتائج الاتفاقية. وما تلتها من انسحاب قسد من الحيين الكرديين في حلب وتقليص التمثيل العسكري إطلاق دفعة أولى من 450 معتقلًا من الجانبين وتبييض بعض السجون وتشكيل مراكز أمن مشتركة بين قسد والأجهزة الأمنية في حلب.

أسباب التوقف أو التباطؤ

الأحداث السياسية اللاحقة، مثل إعلان الدستوري، تكليف حكومة مؤقتة، العمليات العسكرية في الساحل السوري ضد العلويين، واستهداف الدروز في السويداء، إضافة إلى انتخابات مجلس الشعب، أثارت رفض الإدارة الذاتية وأدت إلى تباطؤ الاتفاقية بين الطرفين، فيما يمكن تلخيص أسباب هذا التباطئ بالتالي:

اختلاف تفسير بند دمج المؤسسات، حيث تعتبر دمشق الدمج حلاً نهائيًا والعودة إلى نظام مركزي، بينما الإدارة الذاتية ترى ضرورة التنسيق مع الحفاظ على بعض الصلاحيات ضمن نظام لامركزي.

كما أن تدخل القوى الإقليمية والدولية، خصوصًا تركيا، التي تمارس ضغطًا على الحكومة المؤقتة وتتابع الاتفاقية عن كثب، عاملاً مؤثراً في سير عمل الاتفاقية. كما أن بعض الاحتكاكات العسكرية بين الطرفين في دير الزور وريف حلب الشرقي أيضا مؤثر.

واقع الحالي وتحليلات سياسية مستقبلية

مع اقتراب نهاية العام الحالي وعدم وجود أي مؤشر على تطبيق الاتفاقية يمكن تحديد الواقع الحالي بعدة نقاط وهي: أزمة الثقة وهشاشة العلاقات والشكوك المتبادلة بين الأطراف تشكل تحديًا رئيسيًا لاستدامة الاتفاقية. كما اختلاف في تفسير البنود والخلاف حول دمج المؤسسات المدنية والعسكرية قد يوقف التنفيذ أو يعيد النزاعات إلى الواجهة.

كما أن التدخلات الإقليمية والدولية: دعم أو ضغط الدول الضامنة (تركيا، الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي) سيؤثر على استقرار الاتفاقية.

أهمية التدرج في التنفيذ: التقدم التدريجي في الملفات الحساسة مثل التعليم والأمن والمعتقلين يعزز فرص نجاح الاتفاقية.

وتبقى السيناريوهات مستقبلية محتملة مفتوحة على مصراعيه أما التفاؤل وحل الخلافات تدريجيًا، استمرار الاجتماعات التنفيذية، ودعم المجتمع الدولي، ما يؤدي إلى تهدئة شاملة وربما مفاوضات دستورية أوسع.

أو التشدد واستمرار الخلافات الجوهرية وتدخل القوى الإقليمية، مما يوقف التنفيذ جزئيًا ويعيد الاحتكاكات العسكرية.

أو الركود عبر تنفيذ جزئي لبعض البنود مع بقاء الملفات الكبرى عالقة، ما يحافظ على استقرار هش دون تقدم ملموس.

ما المطلوب من الطرفين لضمان نجاح الاتفاقية؟

الكثير من سياسات التي تنتهجها الحكومة السورية المؤقتة، لاقت رفضا دوليا ومحليا، كعدم إشراك جميع الأطراف في المرحلة الانتقالية وانتهاجها سياسة الاقصاء، كما يصفها الآخرون، تضعف موقفها دوليا ومحليا. فعليها الالتزام بالتفسير التوافقي للبنود وتوفير الضمانات الأمنية للمناطق الشمالية والشرقية وتسهيل العودة الطوعية للمهجرين وخاصة مهجري عفرين ورأس العين، والابتعاد عن نهج المركزية في إدارة البلاد.

ويجب على الطرفين الالتزام باللجان التنفيذية ومتابعة تطبيق الاتفاقية وتجنب التصعيد الإعلامي أو العسكري، وإشراك المجتمع الدولي والدول الضامنة لدعم التنفيذ، وتطبيق خطوات تدريجية قابلة للقياس لبناء الثقة تدريجيًا.

فتطبيق اتفاقية 10 آذار يمثل فرصة نادرة لإحلال الاستقرار السياسي والأمني في سوريا من خلال وقف إطلاق النار وتنسيق المؤسسات المدنية والأمنية، وبناء الثقة بين الحكومة السورية المؤقتة والإدارة الذاتية وضمان حقوق جميع السوريين والمكونات المختلفة، بما في ذلك المجتمع الكردي، وحماية التنوع الثقافي والديني، وتحقيق العدالة والمصالحة الوطنية عبر إعادة المهجرين وإطلاق المعتقلين، وتعزيز الخدمات العامة و ويمهد الطريق لمفاوضات دستورية أوسع، مما يجعلها خطوة حاسمة نحو مستقبل مستقر وسلمي لسوريا.

علي الاحمد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى