مقتل خامنئي يفتح مرحلة انتقالية في إيران ويضع واشنطن أمام اختبار الحسابات

يشكّل مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، ليس فقط لرمزيته السياسية والدينية، بل لما قد يفتحه من مرحلة انتقالية غامضة داخل بنية النظام. ويأتي هذا التطور في وقت حساس إقليمياً ودولياً، حيث تتركز الأنظار على كيفية تعامل الولايات المتحدة مع المشهد الجديد: هل تعتبره فرصة لزيادة الضغط على طهران، أم مدخلاً لإعادة صياغة قواعد التعامل معها؟

على مدى عقود، مثّل خامنئي مركز الثقل في النظام الإيراني، حيث لعب دوراً محورياً في موازنة العلاقات بين مؤسسات الدولة المختلفة، بما فيها مؤسسة الرئاسة ومجلس صيانة الدستور والحرس الثوري والمؤسسة الدينية. ومع غيابه، يواجه النظام اختباراً جديداً يتعلق بقدرته على إدارة انتقال السلطة والحفاظ على تماسكه الداخلي.

آلية انتقال السلطة

ينص الدستور الإيراني على أن اختيار المرشد الأعلى يتم عبر مجلس خبراء القيادة. إلا أن الواقع السياسي في إيران يتسم بتعقيد أكبر، إذ تتداخل مراكز القوة بين التيار المحافظ التقليدي والمؤسسة الأمنية وشبكات النفوذ الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري.

ويرى الخبير في الشأن الإيراني الدكتور صوران مسعودي أن المرحلة الانتقالية تمثل اختباراً لقدرة النظام على إنتاج توافق داخلي سريع. ويشير إلى أن أي تأخير في حسم مسألة القيادة قد يُفسَّر خارجياً باعتباره نقطة ضعف يمكن استثمارها.

في المقابل، يرى الباحث في السياسة الدولية سهيل شامل أن مؤسسات الدولة الإيرانية اعتادت إدارة الأزمات ضمن إطار مغلق، مضيفاً أن احتمال حدوث انهيار سريع للنظام يبقى ضعيفاً، رغم توقع حدوث إعادة توزيع للنفوذ داخل مراكز القرار.

حسابات واشنطن

في واشنطن، تعتمد عملية اتخاذ القرار على تقديرات استراتيجية لموازين القوى أكثر من ردود الفعل السريعة. وتدرك الإدارة الأميركية أن الضغط المفرط في لحظة انتقال حساسة قد يدفع القيادة الإيرانية الجديدة إلى تبني خطاب أكثر تشدداً لتعزيز شرعيتها الداخلية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرّح بأن إنهاء الحرب مع إيران لن يتحقق إلا عبر ما وصفه بـ“الاستسلام غير المشروط”، مؤكداً أن واشنطن لن تبرم أي اتفاق مع طهران دون هذا الشرط.

في المقابل، رفضت إيران هذه التصريحات، حيث نقلت وكالة “إرنا” عن مسؤولين إيرانيين تأكيدهم أن طهران لن تقبل بأي شروط تمس سيادتها أو تفرض عليها الاستسلام، مشددين على قدرة البلاد على الدفاع عن نفسها.

ويرى الخبير في الشأن الأميركي الدكتور جوزيف حداد أن الولايات المتحدة قد تتجه إلى سياسة مزدوجة تقوم على تعزيز الردع العسكري في الخليج، بالتوازي مع إبقاء قنوات تفاوض غير مباشرة مفتوحة عبر وسطاء إقليميين أو أوروبيين.

قنوات خلفية للتفاوض

وفي سياق متصل، أشارت تقارير إعلامية إلى وجود رسائل إيرانية غير مباشرة بشأن إمكانية فتح مسار تفاوضي لوقف الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، جرى تمريرها عبر قنوات أمنية خلفية بعيداً عن المسارات الدبلوماسية الرسمية.

وغالباً ما تتضمن هذه القنوات وسطاء إقليميين أو لقاءات غير معلنة بين مبعوثين غير رسميين، وهي آلية تستخدم عندما تكون المواجهة العسكرية محتدمة لكن الأطراف لا ترغب في إغلاق باب التفاوض بالكامل.

ولا تعني هذه الرسائل قبول طهران بالشروط الأميركية، لكنها تعكس وجود قلق داخل بعض دوائر السلطة الإيرانية من احتمال اتساع نطاق الحرب وتحولها إلى مواجهة إقليمية واسعة.

دور الحرس الثوري

يُعد الحرس الثوري الإيراني أحد أبرز اللاعبين في أي مرحلة انتقالية داخل البلاد. فإلى جانب قوته العسكرية، يمتلك الحرس شبكة واسعة من النفوذ الاقتصادي والإعلامي، ما يجعله طرفاً مؤثراً في تحديد مسار المرحلة المقبلة.

ويقول الخبير الأمني يوسف السلطان إن الحرس الثوري قد يسعى إلى تعزيز حضوره في القرار السياسي لضمان استمرار النهج الاستراتيجي للنظام، لافتاً إلى أن رد فعل المؤسسة العسكرية سيعتمد إلى حد كبير على طبيعة الموقف الأميركي.

انعكاسات إقليمية

لا يقتصر تأثير التطورات في إيران على الداخل، إذ يمتد نفوذها إلى عدة ساحات إقليمية، أبرزها العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد يؤدي أي تغيير في القيادة إلى تعديل مستوى الدعم لحلفائها أو إلى تغيير قواعد الاشتباك مع القوات الأميركية والإسرائيلية.

وفي العراق تحديداً، يحذر مسعودي من احتمال دخول بعض الساحات المرتبطة بإيران في مرحلة “جس نبض” متبادل قد تتخللها عمليات عسكرية محدودة، في إطار اختبار حدود التصعيد بين الأطراف المختلفة.

مواقف إسرائيل وروسيا والصين

بالنسبة لإسرائيل، يمثل غياب خامنئي تطوراً حساساً. فرغم اعتبارها البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً، فإنها تدرك أن أي فوضى داخل إيران قد تفرز قيادة أقل قابلية للردع.

أما روسيا والصين، فتتعاملان مع إيران بوصفها شريكاً استراتيجياً في مواجهة النفوذ الأميركي. وتشير تقديرات غربية إلى أن موسكو قد تزيد من دعمها الاستخباراتي لطهران، فيما تميل بكين إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدعوة إلى خفض التصعيد حفاظاً على استقرار أسواق الطاقة.

هل تفتح المرحلة نافذة لاتفاق نووي؟

يبقى احتمال استئناف المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني أحد أبرز الأسئلة المطروحة. ويرى مراقبون أن القيادة الجديدة قد تنظر إلى التهدئة كفرصة لتخفيف العقوبات الاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه لن ترغب في الظهور بمظهر المتراجع تحت الضغط الخارجي.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

يلخص مراقبون المسارات المحتملة في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

الأول يتمثل في احتواء متبادل يقوم على إدارة التوتر دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.

والثاني تصعيد محدود يتضمن ضربات ورسائل ردع متبادلة.

أما السيناريو الأخطر فيكمن في خطأ في الحسابات قد يقود إلى مواجهة أوسع في المنطقة.

وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بشخص المرشد فحسب، بل ببنية نظام كامل وتوازنات إقليمية ودولية معقدة. ومع بدء مرحلة جديدة في إيران، تبقى كيفية تعامل القوى الكبرى مع هذا التحول عاملاً حاسماً في تحديد مسار الأحداث في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى